الخميس، 28 فبراير 2013

مجموعة قصصية قصيرة جدا



تلك القصص منفصلة ..

******************************


طلاء 

كانت البلدة واقعة تحت براثن الاستعمار .. مقوضة بحدوده و سدوده .. أسيرة قيوده الضاربة فى جذورها .. على الرغم من جلاء المستعمر منذ عهد سحيق ..

بعد ليال حالكة الظلمة , أشرقت الشمس .. من حيث تغيب ..

و رأوا البلدة المجاورة تتقدم و تتطور , ينتجون و يستهلكون و يسرفون ..

يفعلون كما يفعل المستعمر الراحل فى أرضينه ..

فأضحى ذاك التقدم حلما قوميا منشودا .. ترسخ فى ألباب الأجيال المتعاقبة ..

و بعد عقود من المحاولة و الفشل , طلوا أنفسهم بطلاء أبيض اللون !


******************************

عشق 

كان وجهها شاحبا للغاية و امارات الحزن الدفين متبدية عليه .. كأنها جزء لا ينفك من ملامحه.

فسألتها : ماذا بك؟

و لكنى لم أسمع أي جواب على الإطلاق

صمت لبرهة ثم عاودت سؤالى .. و فى تلك المرة أيضا لم أسمع أية أجوبة

قلت فى نفسى لعلها مكتئبة إلى الحد الذى يستعصى معه الحديث .. و مضيت ..

***

فى اليوم التالى سألتها مجددا "ماذا بك؟"

و لكن صمتها استمر محدثا فى نفسى أثرا جللا .. 

اقتربت منها و ربت على ظهرها ثم عاودت سؤالى مرارا حتى كللت 

و لكنها فى كل مرة لم تريحتى بالجواب .. نفس ذلك الصمت الرهيب .. نفس تلك الصفعة .. تلقيتها .. و مضيت ..

***

كان وجدها قد ازداد شحوبا و جسدها قد انبرى فى المرة التاسعة أو ربما العاشرة التى التقينا بها

و ما زال صمتها مستدام .. ما زال يصفعنى و يطعننى 

- لماذا ترفضين الإفصاح عما بك؟

- ......................................

- هزل جسدك . ستموتين هكذا !

- ....................................

- هل قصرت معك فى شئ؟

- ...............................

- أرجوك , قولى أى شئ . أريحينى .. عللينى .. أطردينى ..قولى أى شئ !!

لكنها لم تقل .. و استمر الصمت ..

لمحت على الطاولة المجاورة قدح من الماء كنت أعلم أنه لها .. فأطرقت لهنيهة .. ثم نظرت إليها و لم أتبين إن كانت تنظر حدوى أم لا؟

قفزت بقدح الماء .. و ظللت أسبح فى أكنافه حتى ذبت تماما ..

و ما لبث أن جاء الساقى و أمسك بقدح الماء و سقاها .. و كنت من ضمن ما سقى ..

الآن فقط سوف أعلم ما بك .. الآن فقط سوف أعلم لماذا تديمين الصمت .. الآن سنتوحد إلى الأبد .. 

أيتها الشجرة 


******************************


عدل ظالم

كان وجهه شاحبا و كانت مقلتاه جاحظتان و عيناه حمراوان .. كأنه لم يذق لللنوم طعما منذ قرون .. ظل مطرقا لدقائق مرت كالدهر .. ثم قال : "يؤسفنى أن أقول لك بأنه (تلعثم قليلا ثم أكمل) بأن الحكم سيصدر بإعدامك."

- "و لكن .. و لكنك تعلم أنى لم أفعل شيئا"
قلتها و أنا أحاول أن أسيطر على أعصابى

- " أجل , أعلم ذلك .. أعلم أنك برئ .. بل و من هم فوقى و بيدهم مقاليد أمرك يعلمون ذلك ! و لكن القانون لا يعلم ذلك .. القانون لا يأبه لمعرفتنا بل و يقيننا بأنك برئ .. القانون لا يأبه لغير تلك الأوراق التى تقطع بأنك مذنب."

- " و لكنكم تعلمون أنها ملفقة."

- "نعلم ذلك .. لكن ليس لدينا دليل .. صدقنى يا بنى .. كلنا تعلم أنك برئ .. و لكن القانون - كما قلت لك - لا يأبه بذلك .. و لكن سلواك أنك ستموت مظلوما ..لعلك تدخل الجنة."

- " أنتم واضعوا القوانين و بمقدوركم التحايل عليه .. أو حتى إيقافه .. لو كان أحدكم مكانى لفعلتم!

فجأة وجدته يترك موقعه فى هدوء شديد و يقترب منى بخطوت وئيدة .. ثم يصفعنى .. و يعود إلى كرسيه.

الأحد، 24 فبراير 2013

الحارة



- "صباح الخير يا عم ابراهيم"


- "صباح النور يا علوة , اتفضل معانا"


- "ربنا يخليك"


- "مش عزومة مراكبية والله"


- "ربنا يخليك يا عمنا .. مستعجل والله"


- "طريق السلامة يا ابنى"


أمضى فى طريقى بخطوات واسعة سريعة محاولا تفادى المارة الكثر الذاهبين إلى أعمالهم .. لا 
يمكننى أن أمشى فى حارتنا دون أن ألقى السلام على الجميع .. عم عبده بائع البطاطا , و الحاجة 
أم أحمد التى تفترش الأرض بسلال من البيض و الفطير و الجبن يسيل لهم اللعاب .. و المعلم عبد 
الوهاب صاحب القهوة الوحيدة فى حارتنا .. و باعة الخضر و الفاكهة الذين تتراص أقفاصهم المتآكلة 
هنا و هناك .. و قليل من العربات تتوسط الحارة !


أتوقف عند عربة الفول التى يغص محيطها بالبشر , و كأنهم يتنافسون على لحم يوزع مجانا ! أحارب 
حربا ضروس لأخرج بشقتى الفول و الفلافل لآكلهم بنهم فى طريقى ..

((حاسب)) .. ينبهنى صوت أم أحمد بأن قدمى كادت تدهس قرصا كبيرا من روث البهائم افترش 
الأرض.


ما أن أبتعد قليلا عن المساكن حتى تلوح لى عربات الباعة التى تحمل بضائع من شتى الأشكال و 
الأحجام و الأنواع و الألوان ! و يبدأ صوت صياحهم و جدالهم المستمر يتردد فى كل مكان!
إنه السوق ! الجميع يقصده من كل حدب و صوب.


ياله من مشهد مثير للشفقة !


كتل من اللحم البشرى تتصارع و تتنناحر على أشياء بعضها لا قيمة له على الاطلاق!

بعد أن عبرت السوق وجدت الطريق مسدودا .. حائط طويل عريض لا أعلم من أين جاء؟ .. قررت أن أعود 
لأسلك سمتا آخر .. لكنى لم أجد حارتنا فى الخلف !

الخميس، 21 فبراير 2013

فى المسرح




(1)

قلت : " هل اكتمل الحضور؟ "

قالت : " ليس بعد , و لكنهم على وصول "

قلت : " حسنا , سأستعد ريثما يكتملون! "


(2)

بعد زهاء نصف الساعة صعدت إلى خشبة المسرح بعد أن أتممت
استعدادى ..

كان المسرح يغص بالحضور , كنت أرى حضورا من شتى الأشكال و
الأعمار و الألوان ..

فأثار ذلك فى وجدانى حماسة لم أعرف لها مثيلا من ذي قبل ,
على الرغم من طول عملى بالمسارح ..

فطفقت ألقى مقطوعتى الشعرية ببراعة شديدة فاقت ما كنت
أتوقعه لذاتى !

كان تشجيع الجمهور و تفاعله مع كلمات القصيدة الملقاه يزكى فى
نفسى نار الحماسة , فقد كنت أراهم تارة يصفقون .. و طورا
يصفرون .. و أنا مستمر فى آدائى غير عابئ بأنَى قد تخطيت الوقت
المسموح به لهذه الفقرة !



بعد أن انتهت قصيدتى انحنيت محييا الجمهور العريض الذى أخذ
يصفق حتى ظننت أنهم لن يتوقفون أبدا ... كادوا يصطلمون أذنى !


(3)

- " كنت رائعا اليوم , أليس كذلك؟ "

- " بلى , و لكن العرض كان سيكون أفضل بكثير إذا كان هناك

حضور ! "

الخميس، 14 فبراير 2013

أرض الرباط

أسمع دوى اطلاق كثيف للرصاص , ضباب أشد كثافة يضوى المكان , أشلاء و جثث مترامية حولى فى عدم اكتراث إلا أن أرواحهم الطاهرة النقية كانت تواصل معراجها لله عز و جل ! .. رصاصة ذليلة تتوخى رأس أحد المجاههدين الواقفين إلى جوارى فتنبجس  رأسه و تسرى الدماء منه ! .. 

"خالد!!" أخى الذى ترك أهله و ماله الذى اقترف , أخى الذى هجر الدنيا و ما فيها و قصد أرض الرباط ليجود بنفسه و غايته الله ! ها هى دماءه الحرة الزكية ترفع قربانها للسماء .. مخضبة بوسام الخلود !

تجيش فى وجدانى عواطف شتى .. أأذرف العبرات على أولئك الذين أدوا الأمانة على خير ما يكون و هم الآن فى طريقهم لملاقاه من أحبوه فأحبهم؟! .. كلا .. بل إنى أغبطهم لأنهم سبقون!

تنتزعنى أصوات القصف العنيف من تأملاتى , يشتد القصف من قبلنا و من دبرنا و عن يميننا و عن شمالنا .. رصاصة أخرى مسرعة حدوى .. ظننتها قد توختنى إلا أنها أخطأتنى لتصيب مجاهدا آخر بجوارى .. لم يتمالك فؤادى المكلوم نفسه و إجهشت عيناى بالبكاء .. و كان الغيظ يكاد يفطر قلبى ! .. أهرول إلى الأمام غير مكترث بذلك القصف العنيف الذى يشت فوق رأسى .. "آه" .. رصاصة تصيب يدى فتسرى منها الدماء .. يشتد غيظى .. أطلاق العنان لسلاحى ليجندل الأعداء الواحد تلو الآخر .. أتوغل بينهم غير مكترث بعتادهم و أسلحتهم التى كانت تمطرنى رصاصا .. ولا بالنزيف الذى يكاد يفرغ جسدى من الدماء ! تأتى الرصاصات من كل حدب و صوب , تخترق جسدى فى شتى المواضع !! و لكننى لا أموت .. و لن أموت .. !! يسقط السلاح من يدى فأنحنى لأمسك به و أواصل ..

فجأة يجتثنى صوت مرتفع من أوهامى .. لأكتشف أنّى لم أكن أحمل أية أسلحة .. و لم يكن هناك أعداء ولا دماء ولا شهداء .. بل إننى كالعادة كنت ممسكا باللاب توب .. ولا أفعل شيئا على الإطلاق !!

كلنا ليس محمد محرز .. أجل يا سيدى , نحن أقل بكثير من أن نرتقى إلى منزلتك .. لسنا مثلك .. أنت استشهدت بأرض الرباط بينما نحن ها هنا منقبعون .. اللهم ارفع مقتك و غضبك عنّا !!

الأربعاء، 30 يناير 2013

الثورة . . نظرة أخرى

ثمة نموذج معرفى يعرف الثورة كمجموعة من الإجرائات و التطبيقات و الممارسات يُسعى من خلالها إلى تغيير المجتمع تغييرا جذريا شاملا و نقله من حالة تطورية معينة إلى حالة تطورية أكثر تقدما, أو إلى الحالة التطورية المثلى إجتماعيا و اقتصاديا و سياسيا و ثقافيا. و الوصول بالمجتمع إلى المرحلة المثالية الطوباوية. و يمكن تعريف الثورة فى هذا الإطار على أنها فعل عنيف داخل التاريخ غايته النهائية الوصول إلى نهاية التاريخ عبر تحقيق النظام الإجتماعى الأمثل. تعد المنظومات الفكرية المتبنية لهذا النموذج ذلك المفهوم من الثورة كالمنهج أو السبيل الوحيد إلى الخروج من حالة الركود الإجتماعى , إلا أن ذلك يغفل أن النشاط الإنسانى ليس مكونا فقط من العناصر التى يمكن للثورة بمفهومها هذا أن تعمل على تغييرها, بل إنه يتكون من عناصر أكثر تداخلا و أعمق تركيبا تتطلب لتغييرها إدراكنا للثورة بمفهوم آخر . .

إن الثورة ليست مجرد ذلك الفعل العنيف داخل التاريخ ; إنها - بالأساس - فعلا عنيفا لكنه فعلا جوانيا , أى أنه يحدث بداخل الإنسان , فعلا يحطم فيه الإنسان كل الأوثان و الأصنام التى تهيمن عليه محاولا إدراك تلك التى تحكمه بصورة لا عقلانية تماما ليسيطر عليها و يحطمها , فعلا تغسق فيه الأوثان الفكرية فتترك الفرصة سانحة للإنسان ليدرك بفطرته المجبولة على ذلك السمت القويم الذى عليه أن يسلكه .. الثورة بالأساس هى تغيير فى عالم الأفكار و ليس فقط تغييرا لنمط السلطة أو لتوجهها , فنهر الفساد الذى يصب فى المجتمع إنما منبعه عقول الناس و تصوراتها قبل أن يكون نمط السلطة القائمة و علاقاتها. 

لا محيص من الإقرار بأن للسلطة دور ملحوظ فى إفساد التصورات و تغييب الوعى أو خلق (وعيا متخيلا) مناسبا لها يوسع شبكة علاقاتها لتسيطر على البنية الإجتماعية برمتها .. عن طريق أدواتها المتمثلة فى الإعلام القادر على خلق شكل من الواقع مخالفا للواقع و لكنه متوافقا مع ما تريده السلطة للناس أن تعرفه. كما أن سلاحى التكرير و الإلحاح الذان تستخدمهما السلطة عن طريق الإعلام و التعليم شديدا الفعالية و التأثير على عقول الناس, فيمكن إقناع الناس بوجود أشياء لا وجود لها على الإطلاق . . و يمكن خلق أعداء وهميين للسيطرة على الناس بتخويفهم من أولئك الأعداء الذين لا وجود لهم فى الحقيقة. و بهذا يستبطن الناس نمط السلطة فى نفوسهم فيهيمن على البنية الإجتماعية هيمنة كلية.
إذا فالثورة يجب أن تكون هدما لتلك البنية الفاسدة و إحلالا لبنية أخرى و ليست مجرد تغييرات ظاهرية مثل استبدال الحكام بآخرين.

إن الثورة بمفهومها الأول لا يمكن لها أن تسقط نظاما اجتماعيا و تحل آخر مكانه, فالنُّظم الإجتماعية لا تسقط مثلما تسقط الحكومات و الرؤساء و الدساتير. إن النظم الإجتماعية لا تأفل بين عشية و ضحاها, بل قد يستوجب ذلك فعلا طويلا و حراكا دائما تطرأ فيه التعديلات على البنى الفكرية المشكلة للجسد الإجتماعى حتى يتغير. أما الإعتقاد بأن الثورة - بمفهومها الأول - قادرة وحدها على إحلال نظام إجتماعى بآخر هو إعتقاد جد خاطئ, حتى الثورة البلشفية فى روسيا 1917 لم تسقط النظام الإجتماعى . . فلا الرأسمالية أسقطت بثورة فى 1917 ولا الإشتراكية كما تصوراها كارل ماركس و فريدريك إنجلز حلت محلها . . و إنما يمكن القول أن ثمة تعديلا طرأ على النظام الإجتماعى جعله مختلفا إلى حد ما و لكنه لم يكن المنشود . . و لم يكن تغييرا جذريا فى البنية الإجتماعية بالمعنى المفهوم للكلمة. 
إن الثورة - بتعريفها الثانى - هى القادرة على إبدال النظام الإجتماعى نظاما آخر عن طريق ما تحدثه من إعادة تشكيل للتصورات و الأفكار. فالثورة بإعتبارها تغييرا فى عالم الأفكار و ليس فقط تغييرا لنمط السلطة أو لتوجهها هى التى تغير بنية النظام الإجتماعية لتحل محلها آخرى.

يقول أستاذنا (على عزت بيجوفيتش) أن المجتمع العاجز عن التدين هو بالتالى مجتمع عاجز عن الثورة. يمكننا ربط كون المجتمع متدينا بكونه خلوقا . . إذا فثمة علاقة طردية بين الأخلاق و الثورة . . كمثال بسيط على ذلك يمكننا القول أن الإنسان الخلوق لا يمكنه السماح برؤية الظلم و الفساد أمام عينيه و لا يحرك ساكنا , لأن ذلك مخالف لفطرته , بينما قد يرضى بذلك شخصا لا يقيم للعامل الأخلاقى وزنا. فالمجتمع الذى يُغيًب فيه العامل الأخلاقى أو يكون النموذج الأخلاقى المهيمن فيه هو نموذج (المنفعة) لا يمكنه التمرد على الفساد و دفع الظلم. 
قد يقول أحدهم : "أويعنى هذا أن الشخص غير الأخلاقى لا يثور . . ماذا لو خرج أحدهم من الحانة ليشارك فى الثورة؟"
فى اللحظة التى يقرر فيها ذلك الشخص أن يجتث نفسه من حياة المجون ليلقى بنفسه فى صفوف الثورة فإنه يكون بالتأكيد قد أيقظ ضميره قبيلها . . إذا أن الثورة - فى ذاتها - عمل أخلاقى, و لكن هذا الشخص قد تضمر أخلاقه مجددا فيعود إلى ما كان عليه. فالإنسان لا يمكنه أن يكون مخلصا لثورة ما حتى النهاية إلا إذا كان ثوريا مخلصا قبلها . . و المعنِيُ بأن يكون ثوريا قبلها هو الثورة بمفهومها الثانى.

تترجم عملية التثوير الداخلى تلك نفسها إلى واقع إجرائى بعد أن تكون قد تمت بالكامل داخل الإنسان, و أعادت صياغة رؤيته لذاته و للكون محررة إياها من رواسب التنشئة التى تنمى التبعية و الخضوع و من عوائق (الوعى الكاذب) و سدود العالم المادى. أى أن الثورة تترجم برانياً بعد أن يكتمل نمو جنينها جوانياً.
إلا أن كلامنا لا يعنى أن المفهوم الأول للثورة هو فعل خاطئ أو مرفوض, و لا ينفى أهمية الثورة بهذا المفهوم فى دفع الظلم و الجور و إسقاط الحكومات و الدساتير الفاسدة. إلا أنه ينفى قدرتها المزعومة على تغيير الجسد الإجتماعى برمته, و ينفى قدرتها على تغيير الواقع تغييرا كليا لأن الواقع ليس فقط هو منظومة السلطة و شبكات علاقاتها. و إنما الثورة القادرة على إحداث هذا التغيير الكلى الشامل هى الثورة كتغيير فى عالم الأفكار و ليس فقط تغييرا لنمط السلطة أو لتوجهها. فكل ثورة بالمفهوم الأول وحده لا يعول عليها فى ذلك التغيير الحقيقى.

السبت، 19 يناير 2013

حلقة علم



فرغ الشيخ عبد ربه من أداء الصلاة المفروضة ثم أتبعها بركعتى السنة. من أحب لقاء الله أحب الله لقاءه. الصلاة لقاء و فناء. ارتأى ركنا من المسجد جلس ينتظر فيه ريثما يكتمل رواد مجلسه العلمى الأسبوعى. الشيخ عبد ربه يعده طلاب العلم فى المدينة أعلم أهلها, و يقصدونه من كل حدب و صوب. و العلماء يعدونه حجة عصره, يقول مولانا دائما أن العالم لا يكون عالما بحق إلا إذا توافرت فيه ثلاث شروط, ألا يحتقر من دونه, و ألا يحسد من فوقه, و أن يكون عمله خالصا لوجه المولى عز و جل.
كان مولانا قد بلغ عامه السبعين منذ شهرين, فشا الشيب فى رأسه و لحيته فأعطاه مظهرا وقورا, و ابتسامته التى لا تفارق وجهه كأنما منبع أفراح الكون كله يكمن فى قلبه كانت تجذب كل من يراه أو يحادثه, يقولون أن فيه شيئا لله. من تواضع لله رفعه.
أخبر الشيخ طلابه فى الدرس الماضى بأنه يؤثر أن يكون موضوع الدرس التالى مفاجئا, آثار هذا فضولهم فطفقوا يضربون الظنون حول موضوع الدرس القادم. فمنهم قائل أن الدرس سيكون فقهيا, و منهم قائل أن الشيخ سيجرى لهم امتحانا, و منهم قائل أن الشيخ سيبدأ فى دروس السيرة.
كانت الساعة زهاء الثامنة و لم يكتمل الحضور بعد. اللهم ارفع مقتك و غضبك عنا, دولة الظلم ساعة و دولة الحق إلى قيام الساعة. الله لن يترك عباده المؤمنين .. يد الله فوق أيديهم. ولا غالب إلا الله. اللهم اغفر لقومى فهم لا يعلمون.
اجتث الشيخ من تأملاته أحد طلابه قائلا "ألن يبدأ الدرس يا مولانا؟"
فسأله عن الحضور فقال أنهم اكتملوا, فقام الشيخ من موضعه و دلف إلى طلابه بخطوات وئيدة و حياهم بالتحية الخالدة و سألهم عن أحوالهم, فردوا التحية حامدين شاكرين.
أطرق الشيخ لبرهة تعلقت فيها الأنظار به انتظارا لمعرفة موضوع الدرس المنتظر. دخل أحد الطلاب المتأخرين, كان أصغر رواد الشيخ عبد ربه عمرا. الشيخ يحبه و سائر الرواد كذلك. حيا سعد الجلوس ثم اتخذ موضعه و أخرج كراسه. كل يوم لا أزداد فيه علما يقربنى إلى الله فلا بورك لى فى شمس ذلك اليوم.
بدأ الشيخ كلامه بصوته الذى ينبض رقة و عذوبة و طمأنينة منبثقة من روحه المشرقة التى تحلق فى السماء : "آثرت أن يكون موضوع الدرس مفاجئا, لكى تكون إجاباتكم عفوية ونابعة من فطرتكم دونما ترتيب. تعلقت الأنظار فى لهفة بالشيخ الذى أردف قائلا : سأسأل سؤالا و سيجيبنى كلا منكم برأيه . . ما هى المكاسب التى حققتها الثورة؟ ماذا جنينا من الثورة؟!
نظر الحضور إلى الشيخ فى ذهول و قد شلت الدهشة ألسنتهم! فتابع الشيخ : فلنبدأ من اليمين . . ما هى المكاسب التى حققتها الثورة يا جعفر؟
أطرق جعفر ذو اللحية المنمقة هنيهة ثم أجاب فى ثقة بأسلوبه الدرامى الكاريزماتيكى المعتاد : " أهم مكاسب الثورة يا مولانا زوال الإستبداد .. و فك القيود التى كانت تقوض رقاب العباد. و إسترداد حريتنا المسلوبة, و أموالنا المنهوبة." ابتسم الشيخ عبد ربه ثم انتقل إلى الطالب الذى يليه. "و أنت يا عبد الرحيم؟"
وضع رحيم طويل القامة وجهه ذي القسمات الدقيقة بين كفيه العريضين لبرهة ثم قال " أهم ما جنينا من الثورة - يا مولانا - أن الجماهير أضحت تقرر مصيرها بنفسها, لا حسب ما يريده الطغاه, و أننا قد تحررنا من الخضوع و الذل لمن لا يعرفون الله عز و جل ولا يخشونه." أثنى الشيخ على عبد الرحيم ثم انتقل إلى طالب ثالث كث اللحية عريض الوجه " و أنت يا عيسى, ما رأيك فيما جنينا؟"
أطرق عيسى لحظات يفكر خيم فيها على المكان صمت جميل. ثم أجاب بصوته الأجش : " خير ما حققت الثورة - يا مولانا - هو تحرير الأمة من العصابة الموالية لأعدائنا من الصهاينة و الأمريكان. و عتق رقابنا من الخضوع لأولئك الفجرة. و كذلك أنه أضحى لدينا الحق فى التعبير عن ما نعتقد بحرية مطلقة, لن تعتقلنا أجهزة الدولة مجددا." و هنا طغى البكاء على عيسى و منعه من الإستمرار فى كلامه. "رحم الله من ضحوا بأرواحهم" "رحم الله شهدائنا الأبرار." و إستخرط الجميع فى البكاء. ((ولا تحسبن الذين قتلوا فى سبيل الله أمواتا, بل أحياء عند ربهم يرزقون.))
إلتفت الشيخ بعد أن سكنت نوبة البكاء التى انتابت الجميع إلى الطالب التالى فسأله نفس السؤال. فأجاب حمزة : "إنى لأرى أن أعظم ما حققته الثورة أنها أحيت الشعب من سباته العميق."
ثم جاء دور ابن عبد الله الذى كانت إجابته : " إنى لأوقن - يا مولانا - أن أعظم ما حققته الثورة هو صياغة دستور جديد يكفل للشعب حقوقه و حرياته, و إعادة هيكلة نظام الأجور فى الدولة, و البدء فى وضع الخطط العملية لإعادة توزيع الثروة تحقيقا للعدالة الإجتماعية التى كانت حلم الملايين الذين ثاروا على الأوضاع البائدة."
توالت الأدوار و الكلمات و الآراء تترى, كل يدلى برأيه الخاص, يتسابقون فى سرد مكاسب الثورة الإجتماعية و الإقتصادية و السياسية. و الشيخ يصغى إلى الجميع فى إهتمام بالغ و يثنى على كل من يفرغ من الإدلاء برأيه بابتسامة أو ايماءة من رأسه.
إلى أن آن آن الطالب الأخير فى المجلس. "سعد .. أخبرنا برأيك."
قام سعد طويل القامة نحيل الجسد ضعيف البنية من مجلسه و استوى واقفا و بدأ كلامه قائلا " أعجبتنى جميع الآراء يا مولانا, إلا أنى أرى أن ثمة حلقة مفقودة, ثمةشئ لم يذكره أحد مطلقا. و هو فى الحقيقة أهم ما حققته الثورة على الإطلاق!!"
تعلقت الأنظار بالفتى فتلعثم و لم يستطع أن يكمل كلامه. فشجعه الشيخ على مواصلة الحديث.
تجشم سعد و استجمع قوته و واصل الحديث " أهم ما أحدثته الثورة أيها الإخوة هو تغيير أفكارنا, هو هدم الأوثان الفكرية و الطواغيت التى كانت تهيمن على عقولنا, هو البدء فى إخراج جيل متحرر ثقافيا من قيود التبعية و متخلص من رواسب التنشئة و عوائق الجهل." صمت سعد هنيهة ثم واصل " هذا أيها الإخوة إذا نجحنا فى العمل عليه فستؤتى كل النتائج الأخرى أكلها. و إلا فلا! فما فائدة التغيير الإقتصادى أو السياسى إذا ما بقت الأفكار على فسادها؟ لا شئ!! . . إن النهضة العقلية - أيها الإخوة - تسبق أى نشاط سياسى أو إقتصادى حقيقى!"
عاد سعد إلى موضعه و جلس و لم يستطع أن يميز إن كان الشيخ يبتسم إبتسامته المعهودة أم لا .. إذ كان الشيخ مطرقا.

الخميس، 3 يناير 2013

لا رفاقية مع المرتدين.

ربما نسيت ! و لكن الشكر لمن ذكرنى ! لم يكن هذا العام ليمر دون أن نتذكر أحداثه, على المستوى الشخصى و الأممى, شغلتنى الثانية فنسيت تلك الجملة التى قيلت لى فى معرض حديثى مع أحد اليساريين الثوريين إبان فترة إعادة النظر فى ((ماركسيتى و تروتسكيتى)) .. عندما تناقشنا فصارحته بم يجول فى خاطرى من أفكار, فلم يتمالك نفسه أمام كلامى ((الغريب)) عن فاشية القيادات المباركة (لينين) و (تروتسكى) .. أو فلنسمها الأوثان ! لم يتمالك نفسه عندما سمعنى أقول كلاما - يعتبره هو هراءات و تخريف و هذى - عن مجازر قام بها هؤلاء ! فقال لى بأنى أضحيت أصدق كلام أعداء الماركسية, و قال لى أنى لا أفقه شيئا فيها, و تسائل فى عجب : كيف لك أن تقرأ كتابا دون أن تأخذ الإذن من مسؤولك التنظيمى؟ ياللعقوق !! .. ثم أطلق قنبلته المدوية قائلا : "لا رفاقية مع المرتدين" !! 

مرت علي تلك الكلمات مرور الكرام . كل مافعلته أنى أصبت بنوبة هستيرية من الضحك, ظنا منى أن حسابى على تويتر ربما قد تعطل أو حدث به خلل فظهرت تلك الكلمات. و حتى بعدما تبين لى أنها قيلت بالفعل لم أفعل أكثر من السخرية .. لم أكن أفقه كنه تلك الكلمات .. و لكننى بعد أن تدبرتها و أعدت النظر فيها مرارا أيقنت أنها لم تكن مجرد كلمات عابرة قيلت فى معرض مشاداة و قضى الأمر. .. لا ! ليست كذلك مطلقا.

"لا رفاقية مع المرتدين" فى جوهرها العميق فلسفة غير مقتصرة على تيار بعينه أو على نمط أيديولوجى معين, بل هى متجاوزة لهذا .. فهى فلسفة ضاربة بجذورها فى كل الأنماط الأيديولوجية  و الأنساق الفكرية المادية. فلسفة رفض أى نمط فكرى آخر (حتى و إن كان ماديا) ..  وهى كال(خرافانية) .. يمكن لليمينى أن يكون خروفا كما يمكن لليسارى أن يكون خروفا .. بل إن (لا رفاقية مع المرتدين) هى تجلى للخرافانية .. و الخضوع لوثن (الأيديولوجية) و الإنغلاق على كل ما عداها !
هى سمة جامعة بين كل الرؤى المنغلقة إنغلاقا حديديا و المتقوقعة على ذاتها, خشية أن تتفتح عقول تابعيها فيكتشفون أنهم خرافا.


باختصار .. لو كنت فى أى ناحية أخرى من الدائرة أو خاضعا لأى وثن آخر من أوثانها لسمعت نفس الكلمات حين أحاول الإنحراف عن الناحية أو أحاول الخروج من الدائرة برمتها !! "لا رفاقية مع المرتدين" !!